المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ عودة ابو تايه



عقيل ضمرة
03-16-2009, 06:14 PM
الشيخ عودة ابو تايه


ولد الشيخ عودة ابو تايه بن حرب بن صباح بن فرج بن محمد بن فرج بن فرج بن سلامة بن علوان بن قبال بن حويط بن غازي - في بوادي »الجرباء« من محافظة معان، في عام ،1870 ويعد الشيخ »محمد ابو تايه بن فرج« المؤسس لعشيرة »التوايهة« من قبيلة الحويطات، والحويطات مجموعة من العشائر العربية البدوية، كانت تقيم مضاربها في الجزء الجنوبي من الاردن، حول معان، وفي ارض الشرارة، ويعتقد ان الحويطات هم بقايا العرب الانباط الذين اسسوا وانشأوا دولة الانباط في القرنين الاول قبل الميلاد والاول بعد الميلاد، وكانت عاصمتهم »البتراء«.


وقد ذكرهم »بورخارد« في كتاب رحلته الى الاردن » انهم كانوا نازلين في جبال الشراه حول قرى (ضانا والبصيرة والطفيلة) وقد شيدوا ابراجا عديدة حول هذه الاماكن، انتهوا من بناء احداها »برج الطفيلة« حوالي عام 1800م، وانهم ما كانوا يخرجون جهة الشرق ابعد من »بطن الغول« وان علاقتهم مع مصر كانت امتن من علاقتهم مع بقية البلاد العربية!!


اوصافه:


يتمتع الشيخ عودة بجسم قوي، قيل انه يشبه اجسام المحاربين القدامى، وظل قويا ورشيقا حتى مرضه، ويمتلك قواما منتصبا كالرمح، لم يتغير هيكل جسده ابدا، بالرغم من تقدم سنه، وكثرة الجراح في جسده، وبقي عموده الفقري مستقيما لم تحنه عمليات الكي، التي كانت يستعملها للتشافي من طعنات السيوف او لاخراج الرصاصات من ظهره، فليس بين اعضائه عضو سليم من جرح رصاصة، فلا غرابة في ذلك فقد اشترك في 27 واقعة خلال معارك الثورة العربية الكبرى.


شعره يميل الى السواد اكثر منه الى الشيب الابيض، وكان يستعمل اسنانه كثيرا في حياته العملية، وقيل كان يفك حبال المضارب بأسنانه، ويعدل السيف او الخناجر في اضراسه، طويل القامة، ضامر البدن، قوي الجسم، خفيف الحركة، نشاطه يشبه نشاط الفتيان والشباب، واسع العينين، حاد النظر، وجهه شاحب متجعد، وجبهته عريضة، وذقنه مدبب، وشارباه عريضان، ويتمتع بصوت جميل وحنون، له نغمة موسيقية عذبة في الغناء والعتابا والهيجنا، وجوهري جذاب عند الحديث والخطابة.


وقد وصفه المؤرخ العربي »جورج انطونيوس« في كتابه »يقظة العرب« بقوله: »لم يكن عودة ابو تايه قائد قبيلة محاربة باسلة وحسب، بل كان ايضا كما وصفه الواصفون، قبيلة في رجل، مقدما في خيمة التشاور مثلما هو مقدم في ميدان القتال. وقلما كان يأنس الى المشورة، وقد دلت حياته المفعمة بالمخاطر والمغامرات انه كان في غنى عنها. اما في مظهره فإنه كان يذكر النظر بالنسر، انف اشفى كان قوسه ربع دائرة، ورأس مائل الى الخلف، وعينان كبيرتان ناعستان، ونظرة على المدى البعيد يرسلها في خيلاء..«.


صفاته:


الحديث عن صقر الصحراء العربية، الشيخ عودة يطول ويطول كثيرا، ولو قمنا بتعداد صفاته لاحتجنا الى اكثر من حلقتين، نذكر بعضها، ونوجز بالحديث عن صفة الكرم. ومن اهم صفاته:


1- الشدة والقسوة عند اللزوم، وقال في شدته وقسوته مع الاعداء الرحالة التشيكي »الويس موزيل« الشيء الكثير، وبالغ في بعضها.


2- التقيد بالتقاليد البدوية السائدة، وقد تحدث في هذا الجانب عن شخصيته المطران »بولس سلمان« في كتابه »خمسة اعوام في شرقي الاردن«.


3- اجارة الملهوف ونجدة المستغيث، واكثر العارفين بهذه الميزة، هو الشيخ غضبان الرحال، شيخ عشيرة »سنجارة« من قبيلة شمر.


4- الكرم وغنى النفس. عرف بالكرم وبغنى النفس والمال، ووصفوا كرمه بكرم العربي حاتم الطائي، ويتجلى الكرم وغنى النفس عند »عودة« عندما يقترن بالتسامح والعفو عند المقدرة، ويكرم من يحاول تجاوزه والظن به قبل التعرف عليه، مثل ما عمل مع الكابتن البريطاني »شكسبير« ممثل الحكومة البريطانية في الخليج العربي، الذي قام برحلة عام 1914م من الخليج العربي الى الاردن عبر البوادي الاردنية الى مصر على ظهور الجمال، وكان برفقة مجموعة من فرسان عشيرة »العقيلات« وعندما وصل »شكسبير« الى »الجفر« اقدم الشيخ عودة على احتجازه وعامله كجاسوس اخترق حرمة امارته، والعرف عند »عودة« اخذ الاذن والموافقة منه شخصيا لكل من يرغب بزيارة المنطقة المذكورة، وعندما اعتذر منه »شكسبير« قبل عذره وقبل اعتذاره، يقول »لورنس« في كتابه »الاعمدة السبعة« ان الشيخ عودة ابو تايه »طيب خاطر شكسبير، واعتذر له عن احتجازه، وقام بتكريمه، ثم سمح له بالسفر واعطاه نياقا توصله الى العقبة، وارسل معه بعض رجاله لحمايته..«.


وروى الكاتب الصحفي الاميركي »لويل توماس« روايات كثيرة عن كرم عودة وقال في واحدة منها: »ان (25) رجلا يستطيعون ان يصطفوا دفعة واحدة حول منسف عودة، والكرم عند عودة ليس في تقديم الطعام لضيوفه، بل كان يجود بكل شيء يشعر بأن الطرف الاخر بحاجة اليه«. وقارن »توماس« كرم عودة بكرم الانجليزي »بروبن هود« وقال: »لم اجد كرما مثل كرم الشيخ عودة الا عند الانجليزي بروبن«.


ووصفه الشاعر والمفكر »خير الدين الزركلي« في كتابه »الاعلام« بأنه كان كريما حتى تجاوز حد السخاء. وقال عنه عبدالفتاح اليافي في كتابه »مذكرات قائد عربي« »ان عودة اتصف بكرم نادر المثال« وقال لورنس: »وهو كريم لا يجارى، حتى ألحق به كرمه الفقر..«.


5- الاعتراف بالجميل كان عودة يعترف بالجميل ويرد الجميل لصاحبه بأكثر منه. وقيل: »كان يتذلل بكبرياء للذين يقدمون له معروفا او مساعدة او هدية، ويتمنى الاستعجال برد الجميل لاصحابه مهما كان مستواهم الاجتماعي او المادي حتى ولو كان الرد قد يودي بحياته او حياة اولاده«. وقد ضحى بأكثر من ولد عزيز عليه وهو يرد الجميل للاخرين. وكان اذا حدّث صدق واذا وعد لم يخلف ابدا ...

عقيل ضمرة
03-16-2009, 06:16 PM
بدأ الاستعداد النفسي والعسكري لمهمة الاستقطاب والاستطلاع والدعاية للثورة منذ اواخر شهر نيسان 1917 حيث خطط لها في معسكر الوجه لتكون الحملة الاولى في مسار الجيش الشمالي باتجاه الشمال وفي اليوم التاسع من ايار غادرت الحملة عن الوجه باتجاه الشمال الشرقي وعبرت خط سكة الحديد ثم عبرت سهل (الحول) ووادي (فجر) ومنه اتجهت الى (عرفجة) في وادي السرحان عبر سهل (البسيطة) الواسع ومنه اتجهت الى سهل العيساوية ومن العيساوية انقسمت الحملة الى فريقين:

- الفريق الاول بقيادة الشيخ عودة.

- الفريق الثاني بقيادة الشريف ناصر ومعه لورنس ونسيب البكري وزكي الدروبي وكانت الخطة تقضي بتوجه الشيخ عودة الى مضارب الشيخ نوري الشعلان وولده الشيخ نواف.

بعد ايام قليلة تم جمع الشمل من جديد في وادي السرحان وتحركت الحملة من جديد من (عقيلة) الى جراجر - باير - الجفر - الغويلة - غدير الحاج - ابو اللسن - مريغة - وهيدة - نقب اشتر - القويرة - وادي اليتم - بير الخضراء - ثغر العقبة - معان.


لقد حققت الحملة نجاحا باهرا واستقطبت مئات الفرسان وهيأ عودة للامير فيصل الظروف الملائمة لاجتياح المناطق المذكورة عسكريا، ونجحت الدعاية للثورة وفشلت الدعاية الالمانية والتركية التي كانت تزعم (ان المانيا جاءت لنصرة الاسلام وحماية الخلافة الاسلامية من اهل الكفر). وكأن ملة الكفر غير واحدة.

ومن معان توجه الشيخ عودة وصحبه الى الوسط الاردني واطلع على الوضع العام في الزرقاء و المفرق و الرمثا و كانت خطته ناجحة في كل المناطق الاردنية ومن الرمثا توجه الى درعا وقراها والى آلزوية وقراها ثم توجه الى جبل العرب واجتمع في قرى السويدا والقريا والشهبا مع زعماء ومشايخ العقل في جبل الدروز وانضم المئات الى صفوف الثورة ومن جبل العرب اتجه شمالا الى تدمر ثم عاد الى حمص ومنها توجه الى (تل كلخ) ثم عرج الى البقاع اللبناني وعاد الى غوطة دمشق ومنها الى (الردينة) ومنطقة اللجاة - صلخد - الازرق - النبك - وخاطب الامير فيصل والده الشريف حسين واخبره عن نتائج هذه الحملة فقال له (ان هذه الحملة التي قام بها الشيخ عودة ابو تايه عجلت بانتصارنا ومهدت لنا الانطلاق باتجاه الشمال).

كانت القوات العربية قد انهكت بسلسلة المعارك التي شنها عودة ابو تايه على القوات العثمانية، وبعد ان حققت عددا من النجاحات طلب رجاله الاستراحة ولو قليلا للتزود بالماء والطعام والذخيرة، لكن ابو تايه، هذا الفارس العربي الشجاع الفطن الذي يقدر اهمية الزمن في حسم المعركة رفض الاستجابة لطلبهم فأصم آذانه عن النداء وطلب اليهم ان يغذوا الخطى باتجاه العقبة دون ان يعطوا العدو دقيقة واحدة ليسترد انفاسه.

وهكذا نجحت القوات العربية في احراز النصر ودخلت العقبة دخول الفاتحين. وعلى الرغم من حالة الجهد والاعياء التي دخلت فيها العقبة فقد كان يشفع لها انها كانت تسوق امامها قطيعا من الاسرى يفوق عددها.

وقال القائد جعفر العسكري (رئيس وزراء العراق في عهد الملك فيصل) في شجاعة عودة (كان دائما في مقدمة الرجال حين الهجوم على اعدائه ... فلولا بسالته وتضحيته هو واولاد عمه لما تمكن الشريف ناصر من الاستيلاء على العقبة وعلى النقاط الامنية بين العقبة ومعان).

ابتهج الشريف حسين بفتح وتحرير العقبة واهدى تحياته للمجاهد عودة وارسل له سيفا جميلا ذكرى للانتصار العظيم.

وظل عودة يقاتل حتى تحررت الاردن بكاملها وانتقل الى حوران وشارك في تحريرها وظل يتوسد بندقيته حتى رفعت الراية العربية في دمشق بدخولها فيصل وجيشه العربي الشمالي.

وقد توفي الشيخ المجاهد عودة أبو تايه في سنة 1924م وقبره في منطقة راس العبن بعمان.